محمد محمد أبو ليلة

49

القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي

سمى القرآن بهذا الاسم ، ليضعه على قدم وساق ، مع التوراة والإنجيل ؛ وأن ذلك إنما حدث بسبب تأثر محمد صلى اللّه عليه وسلم بالكتابين ؛ وهذا ضرب من الكاتب في عماية ، ودليل على تمسكه المستميت بالأصولية الاستشراقية ، التي تزعم بأن محمدا انتحل القرآن من كتب اليهود والنصارى ، وهو أمر يرفضه المسلمون جملة وتفصيلا ؛ بل ويكذبه التاريخ والمنهج العلمي السليم . وكون القرآن والتوراة والإنجيل تذكر في سياق واحد في هذه السورة المدنية ، لا يعنى بحال أن محمدا صلى اللّه عليه وسلم تعمد بذلك إعلاء قيمة القرآن ؛ فالقرآن كلام اللّه القديم ، وقد أخبر اللّه في كلامه العزيز أن القرآن الكريم يسمو على كل ما حملته ، أو انتحبته اللغات البشرية من علوم وآداب ونظم وبلاغة ؛ ثم إن قرينة الآية مخالفة تماما لما حاول المستشرق أن يؤسسه من دعوى ؛ إذ أن الآية الكريمة تتحدث عن الجهاد ، وعن وعد اللّه للمجاهدين ؛ وليس في الآية تنويه بالقرآن ؛ وإنما فيها تنويه بالوعد الإلهى للمجاهدين بالجنة ؛ والعجب كل العجب ، أنه يزعم أن لفظ " القرآن " في هذه الآية ، قد اقترب من معنى لفظ " قرآن " الذي هو عنوان كتاب اللّه ، هكذا لمجرد أنه ذكر في سياق واحد مع التوراة والإنجيل ؛ إن الكاتب يتكلم عن مجرد أماني وأظانين وتخيلات عن كتاب جاء بالحق ، وبالحق نزل . إن الكاتب محكوم في هذا الزعم بقالب فكرى جامد ، وفرضية تخمينية هزيلة ، وهي أن التوراة والإنجيل ، هما وحدهما الكتابان المقدسان ، وأن القرآن إنما هو تقليد لهما ، أو اقتباس منهما ؛ وسوف نرى عند تناولنا لموضوع ترجمة معاني القرآن ، أن المترجمين الغربيين ، بصفة عامة ، قد انطلقوا من قاعدة هشة واحدة ، وهي أن القرآن من وضع محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وأنه كتاب محرف ، ومتناقض ، وليس وحيا من عند اللّه ، إلى درجة أن إبراهيم جيجر اليهودي الألماني ، قد زعم أن محمدا صلى اللّه عليه وسلم قد اطلع على التوراة ، وكتب الأنبياء ، وعلى التلمود ، والمشناة في اللغات المختلفة العبرية والآرامية كذلك ، هذا على الرغم مما سبق أن قررناه أن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان أميا . وأن هذه الكتب لم تكن قد ترجمت بعد إلى العربية . وعلى فرض أن محمدا كان قارئا وهو ما لم يثبت البتّة ، فإن الكاتب يتجاهل الشواهد القرآنية